الجصاص
390
أحكام القرآن
سائر الكنايات فلا تقع الفرقة فيه بنفس الإيلاء إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو ترك الجماع في المدة ، ألا ترى أن قوله : " والله لا أقربك " قد يدل على التحريم ، إذ كان التحريم يمنع القرب ؟ وأما اللعان فليس يصلح أن يكون دالا على التحريم بحال ، لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قذفه فلا يوجب ذلك تحريما ، ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها بالزنا لم يوجب ذلك تحريما ، وإن كان كاذبا والمرأة صادقة فذلك أبعد ؟ فثبت بذلك أنه لا دلالة فيه على التحريم ، قال : فلذلك لم يجز وقوع الفرقة دون إحداث تفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم . وأيضا أنه لما لم يصح ابتداء اللعان إلا بحكم الحاكم كان كذلك ما تعلق به من الفرقة ، ولما صح ابتداء الإيلاء من غير حاكم لم يحتج في وقوع الفرقة إلى حكم الحاكم . فإن قيل : لما اتفقنا على أنهما لو تراضيا على البقاء في النكاح لم يخليا وذلك وفرق بينهما ، دل ذلك على أن اللعان قد أوجب الفرقة ، فواجب أن تقع الفرقة فيه بنفس اللعان دون سبب آخر غيره . قيل له : هذا منتقض على أصل الشافعي ، لأنه يزعم أن ارتداد المرأة لا يوجب الفرقة إلا بحدوث سبب آخر وهو مضي ثلاث حيض ، فإذا مضت ثلاثة حيض وقعت الفرقة ، ولو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا وذلك ولم توجب الردة بنفسها الفرقة دون حدوث معنى آخر ، وعندنا لو تزوجت امرأة زوجا غير كف ء وطالب الأولياء بالفرقة لم يعمل تراضى الزوجين في تبقية النكاح ولم يوجب ذلك وقوع الفرقة بخصومة الأولياء حتى يفرق الحاكم ، فهذا الاستدلال فاسد على أصل الجميع . وأيضا فإنك لم ترده إلى أصل ، وإنما حصلت على دعوى عارية من البرهان . وأيضا جائز عندنا البقاء على النكاح بعد اللعان ، لأنه لو أكذب نفسه قبل الفرقة لجلد الحد ولم يفرق بينهما . فإن قيل : هو مثل الطلاق الثلاث والرضاع ونحوهما من الأسباب الموجبة للفرقة بأنفسها لا يحتاج في صحة وقوعها إلى حكم الحاكم ، واللعان ليس بسبب موجب للفرقة بنفسه لأنه لو كان كذلك وجب أن تقع به الفرقة إذا تلاعنا عند غير الحاكم ، وأيضا ليس كل سبب يتعلق به فسخ يوجبه بنفسه ، ومن الأسباب ما يوجب ذلك بنفسه ومنها ما لا يوجبه إلا بحدوث معنى آخر ، ألا ترى أن بيع نصيب من الدار يوجب الشفعة للشريك ولا ينتقل إليه بنفس الطلب والخصومة دون أن يحكم بها الحاكم ؟ وكذلك الرد بالعيب بعد القبض وخيار الصغير إذا بلغ ونحو ذلك هذه كلها أسباب يتعلق بها فسخ العقود ثم لا يقع الفسخ بوجودها حسب دون حكم الحاكم به ، فهو على من يوجب الفرقة باللعان دون تفريق الحاكم . وأما عثمان البتي فإنه ذهب في قوله أن اللعان لا يوجب الفرقة